في أجواء موسم الحجّ عام 1441 وجّه الإمام الخامنئي نداء للأمّة الإسلامية، حيث اعتبر سماحته في نداءه أنّ نداءات تلبية المغيّبين عن الحجّ هذا العام تمتزج بالدموع والآهات، مشدّداً على أنّ الحجّ مناورة قوّة في مواجهة المستكبرين وعرضٌ لقدرات الأمّة الصلبة والناعمة. وأكّد الإمام الخامنئي على أهميّة الوحدة التي باتت تشكّل اليوم مصلحة إلزاميّة للأمّة الإسلامية وتخلق يداً واحدة في مواجهة تهديدات وعداوات أمريكا وكلبها المسعور، الكيان الصهيوني.

وفیما یلي النص الکامل لهذا النداء الهام:

بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

موسم الحج، الذي كان دوماً موسماً للشعور بعزة العالم الإسلامي وعظمته وازدهاره، انكفأ هذا العام بحزن المؤمنين وحسرتهم، وابتُلي بشعور الفراق، وعجز المشتاقين. القلوب تشعر بالوحشة لغربة الكعبة، وتمتزج «لبّيك» المغيَّبين بالدموع والآهات. هذا الحرمان قصيرُ المدى، فبحول الله وقوته، لن يستمر طويلاً، لكن العبرة منه هي تقدير نعمة الحج، التي يجب أن تدوم وأن تخلّصنا من الغفلة. يجب علينا هذا العام الشعورُ والتفكير، أكثر من أي وقت مضى، في سرّ عظمة الأمة الإسلامية وقوّتها، في الاجتماع الشامل والمتنوّع للمؤمنين في حرم الكعبة وحرم النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – وأئمة البقيع – عليهم السلام –.

الحج فريضة لا مثيل لها، كزهرة ذي مئة بتلة من بين الفرائض الإسلامية. يمكن القول إنه قُدّر على جميع الجوانب الدينية المهمة، الفردية والاجتماعية، الأرضية والسماوية، التاريخية والعالمية، أن تُراجَع عبرها. ففيها الروحانية، ولكن من دون الانزواء والعزلة والخلوة. وفيها الاجتماع، ولكن بعيداً عن الصِّدام والافتراء وإضمار السوء. ومن ناحية هناك حظٌ روحيٌ من المناجات والابتهال وذكر الله، ومن ناحية أخرى رابطُ الأنس والتواصل بين الناس. الحاجُّ يرى بعين ارتباطَه الأزلي بالتاريخ – بإبراهيم وإسماعيل وهاجر، وبرسول الله (ص) أثناء دخوله المسجد الحرام منتصراً، بجموع غفيرة من المؤمنين في صدر الإسلام -، ويرى بعين أخرى حشود المؤمنين من زمانه الذين يمكنهم أن يكونوا يداً للتعاون والاعتصام الجماعي بحبل الله. التدبّر والتفكّر في ظاهرة الحج يوصلان من يحُجّ إلى هذا الاعتقاد القاطع بأن الكثير من أهداف الدين وتطلعاته للبشرية لا ترسو من دون تآزر وتعاطف وتعاون بين مجتمع المتدينين، ومع ظهور هذا التعاطف والتعاون، لن يتسبب كيد المخالفين والأعداء في مشكلة مهمة في هذا الطريق.

الحج هو مناورةُ قوة في مواجهة المستكبرين الذين هم مركز الفساد والظلم وقتل الضعفاء والنهب، واليوم جسدُ الأمة الإسلامية وروحها يتلوّعان وينزفان دماً من جورهم وخبثهم. الحج هو عرض للقدرات الصلبة والناعمة للأمة. هذه طبيعة الحج وروحه وجزء من أهم أهدافه. هذا ما أسماه الإمام الراحل، الخميني العظيم – قدس سرّه – الحجَّ الإبراهيمي. وهذا ما يمكنه حل مشكلات كبيرة للعالم الإسلامي إذا سلّم به بصدق المتولّون على أمر الحج الذين يسمون أنفسهم بخدام الحرمين، واختاروا رضى الله عوضاً عن إرضاء الحكومة الأمريكية.

المصلحة الإلزامية للأمة الإسلامية اليوم كما في السابق، بل أكثر، هي في الوحدة الإسلامية، الوحدة التي تخلق يداً واحدة في مواجهة التهديدات والعداوات، والتي تصرخ عالياً في وجه الشيطان المتجسد، أمريكا المعتدية والغدّارة، وكلبها المسعور الكيان الصهيوني، وتقف (الأمة) شاخصة صدرها بشجاعة أمام الغطرسة. هذا معنى الأمر الإلهي، حين قال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}1. القرآن الحكيم يعرّف الأمة الإسلامية في إطار {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}2، ويطلب منها أداءَ واجب {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}3، و{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}4، و{فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ}5، و{لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ}6، ولكي يحدِّد العدوَّ، يُصدرُ حُكمَ {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ}7. هذه الأوامر المهمة والمصيرية ينبغي ألّا تغيب أبداً عن منظومتنا الفكرية والقيمية، نحن المسلمين، وتُترك للنسيان.

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إنّ أرضية هذا التحوّل الأساسي هي في متناول الأمة والنخب المحترقة قلوبهم الذين يفكرون في الصلاح. والصحوة الإسلامية اليوم، بمعنى تركيز النخب والشباب المسلمين على مكتسباتهم المعرفية والمعنوية، هي حقيقة غير قابلة للإنكار. اليوم، الليبرالية والشيوعية اللتان كانتا من أبرز ما أنتجته الحضارة الغربية في الأعوام المئة الماضية، والأعوام الخمسين الماضية، اختفى بريقها تماماً وانكشفت عيوبها العضال. انهار النظام الذي كانت تقوم عليه إحداها، والنظام الذي تقوم عليه الأخرى يعاني أزمات عميقة أيضاً، ويشارف على الانهيار. اليوم، ليس النموذج الثقافي للغرب فقط – الذي ظهر في الميدان بالوضاعة والفضيحة منذ البداية – ولكن حتى نموذجه السياسي والاقتصادي، أي الديمقراطية القائمة على المال والرأسمالية الطبقية والتمييزية، أظهر أنه غير فعّال، وفاسد أيضاً. اليوم، هناك العديد من النخب في العالم الإسلامي الذين يتحدّون، بفخر وأعناق ممشوقة ورؤوس مرفوعة، جميع الادعاءات المعرفيّة والحضاريّة للغرب ويظهرون بوضوح البدائل الإسلامية. حتى بعض المفكرين الغربيين اليوم، الذين كانوا مغرورين سابقاً بتعريف الليبرالية على أنها نهاية التاريخ، يضطرون إلى التراجع عن هذا الادعاء والاعتراف بتخبّطهم النظري والعملي.

إنّ إلقاء نظرة على شوارع أمريكا، ومعاملة رجال الدولة في أمريكا مع شعبهم، والوادي العميق للفوارق الطبقية في ذلك البلد، وحقارة وغباء أولئك الذين انتُخبوا لحكم ذلك البلد، والتمييز العنصري المروع هناك، وقسوة ضابط مكلفٍ تعذيبَ شخص غير مجرم في الشارع أمام المارة وقتله بدم بارد، يكشف عن عمق الأزمة الأخلاقية والاجتماعية للحضارة الغربية واعوجاج فلسفتها السياسية والاقتصادية وبطلانها. إن معاملة أمريكا للدول الضعيفة هي نسخة مكبّرة عن سلوك ضابط شرطة وضَعَ ركبته على عنق رجل ذي بشرة سمراء وأعزل، وواصل الضغط عليه حتى فارق الحياة. الحكومات الغربية الأخرى، كل واحدة بقدر استطاعتها، هي أمثلة على هذا الوضع الكارثي!

إنّ الحج الإبراهيمي ظاهرةٌ مجيدة للإسلام ضد هذه الجاهليّة الحديثة؛ إنها دعوة للإسلام وعرض رمزي لحياة المجتمع الإسلامي، مجتمع يكون فيه تعايش المؤمنين في حركة مستمرة حول محور التوحيد، وهو الدلالة العليا. إن الابتعاد عن النزاع والخلاف وعن التمييز والامتيازات الأرستقراطية وعن الفساد والتلوث هو شرط ضروري. ورمي الشيطان والبراءة من المشركين ومخالطة البسطاء ومساعدة الفقراء ورفع شعائر أهل الإيمان من الواجبات الأساسية. كما أن تحقيق المنافع والمصالح العامة جنباً إلى جنب مع ذكر الله وشكره وعبادته هي الأهداف المرحليّة والنهائية. إنّ هذه الصورة الإجمالية للمجتمع الإسلامي في شعيرة الحج الإبراهيمي، ومقارنتها مع واقع المجتمعات الغربية الكثيرة الادعاء، تملأ قلب كل مسلم مجتهد بحماسةٍ للسعي والعمل لتحقيق مثل هذا المجتمع. نحن، الشعبَ الإيراني، بتوجيه وقيادة من الإمام الخميني العظيم، قد انطلقنا بمثل هذه الحماسة ونجحنا. نحن لا ندعي أننا استطعنا أن نحقّق ما نعرفه ونحبه دفعة واحدة، لكننا ندعي أننا قطعنا شوطاً طويلاً وأزلنا كثيراً من العقبات في هذا الطريق. بفضل الثقة بالوعود القرآنية، بقيت خطواتنا ثابتة. وإنّ أكبر شيطان وغدّار وقاطع طريق في هذا الزمان، أي النظام الأمريكي، لم يكن قادراً على تخويفنا، أو أن يغلبنا بمكره وخداعه، أو أن يقف أمام تقدمنا المادي والمعنوي.

نحن نرى الشعوب المسلمة جميعاً إخوة لنا، ونعامل غير المسلمين الذين لم يدخلوا في جبهة الأعداء بإحسان وعدالة. إننا نرى حزن المجتمعات المسلمة ومعاناتها على أنها معاناتنا ونسعى إلى معالجتها. ونبذل قصارى جهدنا دائماً لمساعدة فلسطين المظلومة، وفي التعاطف مع جسد اليمن الجريح، وهموم المسلمين المضطهدين في كل مكان في العالم. ونرى أنه من واجبنا تقديم النصيحة إلى قادة بعض الدول الإسلامية، إلى المسؤولين الذين يلجؤون إلى أحضان العدو بدلاً من الاعتماد على أشقائهم المسلمين، ويحمّلون أنفسهم إذلال العدو وتسلّطه عليهم مقابل مكاسب شخصية لبضعة أيّام، واضعين كرامة أمتهم واستقلالها في المزاد العلني! أولئك الذين يرضون ببقاء النظام الصهيوني المغتصب والاستبدادي ويمدّون له يد الصداقة سرّاً وعلانية. ننصحهم ونحذرهم من العواقب المريرة لهذا السلوك. إننا نرى أن وجود أمريكا في منطقة غرب آسيا مضرّ بشعوب هذه المنطقة ويتسبب في فقدان الأمن ودمار البلدان وتخلفها.

بشأن قضايا أمريكا الراهنة والحركة المناهضة للفصل العنصري فيها موقفُنا الصريح هو الوقوف إلى جانب الشعب وإدانة السلوك الوحشي للحكومة العنصرية في ذلك البلد.
ختاماً، وبالسلام والصلاة على بقيّة الله – أرواحنا فداه –، أستحضر ذكرى الإمام الراحل، وأوجّه التحيّة إلى أرواح الشهداء الطيبة، وأسأل الله – تعالى – الحجّ الآمن والمقبول والمبارك للأمة الإسلامية في المستقبل القريب.

والسلام على عباد الله الصالحين.
السيد علي الخامنئي
28/7/2020م
7 ذي الحجة 1441 هـ. ق.

الهوامش:
1- «آل عمران»، شطر من الآية 103
2- «الفتح»، شطر من الآية 29
3- «هود»، شطر من الآية 113
4- «النساء»، شطر من الآية 141
5- «التوبة»، شطر من الآية 12
6- «الممتحنة»، شطر من الآية 1
7- «الممتحنة»، شطر من الآية 8
……